الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

521

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

والحاصل : أنّ هذه الجملة تشير إلى أنّهم عليهم السّلام إنّما كانوا يتحمّلون ما يتحمّلون للَّه تعالى ، لكونه تعالى أهلا لذلك ، كما يشير إليه قوله عليه السّلام : " وأمّا نحن فنعبده حبّا له " وقوله : " ما عبدتك خوفا من نارك ، ولا طمعا في جنتك ، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك " فإنّ هذه التحمّلات للَّه تعالى تكون عبادة كما لا يخفى . وكيف كان فهم عليهم السّلام بذلوا أنفسهم في مرضاة اللَّه تعالى حتى أضرّوا بأنفسهم في المأكل والمشرب والمطعم والملبس كما هو مذكور في الأخبار ، فراجع ما ورد في أحوال علي بن الحسين عليه السّلام وكذا سائر الأئمة عليهم السّلام من مجاهداتهم مع أنفسهم ، ومن عباداتهم وبكائهم وخشوعهم ، وزهدهم وورعهم وكرمهم وصدقاتهم ، والقيام بالجهاد في سبيل اللَّه والجهاد مع النفس ، وضد الكفار حيث ما اقتضى التكليف الإلهي . والحاصل : أنّهم بلغوا في هذه المجاهدات بحيث نوّه بهم بين الخلق ، وضربت بهم وبعبادتهم ومجاهدتهم الأمثال بين المؤالف والمخالف . والحاصل : أنّه لو حاول أحد أن يحصي ما ترتب على بذلهم أنفسهم في طاعة اللَّه تعالى من المشاق والآلام والجوع ، ومعاداة الأعداء الكثيرة في اللَّه تعالى ، وما يترتب على هذه لما كان يحيط به ، وقوله عليه السّلام : " وصبرتم على ما أصابكم في جنبه " مترتب على قوله عليه السّلام " وبذلتم " وذلك أنّهم لما بذلوا أنفسهم في مرضاته ، صبروا على ما أصابهم من ذلك البذل من مشقة العبادات والتعب الشديد ، وسهر الليالي والتوجّه التام إليه تعالى بما له من الحالات ، التي تعجز عقولنا عن دركها ، ومن الجوع من الصيام حتى ربّما بقوا ثلاثة أيام صائمين لم يفطروا إلا بالماء ، وربّما كانوا يربطون حجر المجاعة على بطونهم ، ومن مشقة كلفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما تحمّلوا من مخالفيهم في هذا المقام من معاداة الباغين الكافرين والمنافقين معهم ، حتى جرى عليهم من القتل والشهادة والسجن وسائر أنواع الظلم ، وهذا كسابقة أمر ظاهر .